آخر الأخبار

تربية الأطفال على فضائل يوم الجمعة

بشير بن نعمان دحان

  يوم الجمعة خير يوم طلعت  عليه الشمس، وفيه خُلق آدم عليه السلام، وفيه أُدخل الجنة وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا فيه، كما صحّ في الحديث النبوي الشريف؛ ومن هنا كانت تربية الأطفال على فضائل هذا اليوم وأحكامه ضرباً من التربية الإيمانية المبكرة التي تبني وجدان الطفل قبل أن تتشكل ملكاته، إذ تُغرس في نفسه قيم تعظيم هذا اليوم منذ نعومة أظفاره، فيكبر مشدوداً إلى جامعة الأسبوع ومجمع المسلمين، ويتربى على أن للزمن حرمةً وأدباً، وأن في كل أسبوع يوماً يستجمع فيه المسلمون شملهم ويستأنفون فيه عهدهم بربهم.

ويستند هذا التعظيم إلى أصل قرآني صريح؛ فقد أمر الله تعالى المؤمنين بقوله: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع»، ثم أذن لهم بعد قضاء الصلاة بالانتشار في الأرض وابتغاء الفضل، فجمعت الآيتان بين تعظيم العبادة وإباحة التكسب، وربطتا بين حق الخالق وحق المخلوق في تأدية كل واحد منهما في وقته؛ ويترتب على هذه المعاني أن يُربّى الطفل على أن الجمعة يومٌ يجمع بين الجانب الروحي والجانب الدنيوي، فلا يُهمل فيه طلب الرزق ولا يطغى عليه، فيقبل على عبادته منشرح الصدر، وتتجلى هنا حكمة الجمع بين الأمر بالسعي إلى الذكر والإذن بالانتشار في آيتين متواليتين، فيتعلّم الصغير التوازن بين الدين والحياة.

ولا تكتمل هذه التربية إلا إذا قُدّمت للطفل بأسلوب مبسّط يتلاءم مع إدراكه؛ فالطفولة المبكرة مرحلة خصبة لغرس القيم، وقد أكدت إحدى الدراسات أن رياض الأطفال تضطلع بدور بالغ في تنمية القيم الإسلامية لدى الأطفال، وأن المنهج والمعلمة والنشاط تشكل معاً منظومة متكاملة لتكوين الهوية الدينية؛ ومن ثَمّ فإن تعظيم يوم الجمعة لا يُترك للصدفة، بل يُدمج في الأنشطة اليومية والقصص والأناشيد، فيستوعب الطفل فضائل اليوم من خلال معرض حسي وحركي ولغوي يخاطب مداركه، ويحوّل المعلومة الجامدة إلى قيمة حيّة ممارسة يتفاعل معها بوجدانه قبل عقله.

وتتعدد فضائل اليوم التي ينبغي أن يُربّى عليها الصغير؛ فمنها ما يتعلق بأحداث كونية كخلق آدم وإسكناه الجنة، ومنها ما يتعلق بساعة الإجابة التي يُرجى فيها قبول الدعاء؛ فقد ورد في السنة أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه، فتُغرس في الطفل عادة التضرع والدعاء في آخر النهار، وتُربّى فيه رجاء الفرج وانتظار القرب من الله؛ ومثل هذه المعاني تُورث الصغير توازناً نفسياً يجمع بين رجاء الرحمة ومراقبة الخالق، وتزرع في نفسه أن للزمن مواسم تُستقبل فيها نفحات الإجابة، فيتحرّاها بدعائه وخشوعه.

ولا يقتصر التعليم على الجانب القلبي، إذ يمتد إلى الجانب العملي والسلوكي؛ فيُدرّب الطفل على سنن الجمعة وآدابها كالغسل والتطيّب والسواك والتبكير إلى المسجد والإنصات للخطبة، وقد ورد في الحديث أن من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام؛ ومثل هذا الوعد يُوجِد عند الطفل دافعاً ذاتياً للالتزام بالأدب، حين يدرك أن للإنصات والطهارة أثراً يُمحى به الذنب ويُكتب به الأجر؛ ويتحقق ذلك تدريجياً بالممارسة الأسبوعية المتكررة التي تحوّل السنن إلى عادات راسخة لا إلى تكاليف ثقيلة.

وتشكل الأسرة المحضن الأول لهذه التربية؛ فقد تناولت دراسة تحليلية الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، كما أبرزت دراسة أخرى مبادئ التربية الأسرية الواردة في السنة النبوية كالرفق والقدوة والتدرّج وأثرها على المجتمع؛ ومن خلال هذا التوجه يستقبل الأهل يوم الجمعة بتهيئة خاصة، فيصحبون الطفل إلى المسجد، ويشركونه في إعداد ملابسه وتهيئة نفسيه، فيعيش الجمعة حدثاً أسرياً مشتركاً يشارك فيه أهله جميعاً، ولا يخفى أن الطفل حين يرى والديه يعظّمان اليوم عملياً يتشبّه بهما أسرع مما يتلقى من نصح قولي مجرّد.

ولا تقتصر الوسائل على الصحبة والقدوة، إذ تتنوع لتشمل القصة الحسنة والأنشودة المحببة والحوار المفتوح حول معاني اليوم؛ فالقصة تكشف للطفل كيف كان المسلمون الأوائل يتلقون نداء الجمعة ويتركون أبيعتهم ويلحقون بالمسجد، والأنشودة تثبّت في ذهنه اسم اليوم وفضائله بإيقاع سهل، والحوار يفتح باب أسئلته عن ساعة الإجابة وأحداث خلق آدم؛ وقد بيّنت دراسة فاعلية استراتيجية المشروع في تنمية بعض القيم الأخلاقية لدى طفل الروضة، بما يدل على أن التعلم بالممارسة والمشاركة أوقع أثراً من التلقين الجاف؛ وعليه، فإن إشراك الطفل في إعداد بطاقة دعوة لزميل إلى المسجد أو رسم مشهد الجمعة يرسّخ القيمة أكثر من حفظ معلومة معزولة.

وإلى جانب الأسرة، تضطلع المؤسسات التربوية كرياض الأطفال وحلقات التحفيظ بدور معزّز؛ إذ تُدرج فضائل الجمعة ضمن برامجها، وتوظف الأنشطة الجماعية لإبراز الجانب الاجتماعي في اليوم، فيكتشف الطفل أن الجمعة تجمع المسلمين على ذكر الله وأنها يوم الوحدة واللقاء؛ وتُسهم هذه المؤسسات في تعويض ما قد يعجز عنه بعض الأسر، وتوحيد الرسالة التربوية بين البيت والمسجد والروضة، فلا يجد الطفل تضارباً بين قول يُلقى عليه وفعل يُخالفه، وتبقى جودة البيئة التربوية وتكامل أدوارها عاملين حاسمين في ترسيخ تعظيم اليوم في وجدان الصغير، وتحويله من معلومة تُحفظ إلى سلوك يُمارس.

غير أن هذه التربية تستوجب ضوابط تكفل سلامتها؛ فلا يُكلّف الطفل ما لا يطيق، ولا تُعرض عليه الفضائل بأسلوب يُرهبه أو يُشوّه تصوره عن ربه؛ فالتربية الإسلامية تراعي التدرّج والرفق وتناسب المعلومة مع سن الطفل، وتوازن بين الترغيب والترهيب مع إيثار الترغيب في هذه المرحلة العمرية؛ ومن الخطأ أن يُحوّل اليوم إلى طقس آلي بلا روح، أو أن يُقصر على أحكام الطهارة والإنصات دون استشعار المعنى؛ وتبقى الممارسة المستمرة الهادئة أعمق أثراً من الحماسة المتقطعة، حين تصبح فضائل الجمعة جزءاً من إيقاع حياة الطفل لا حدثاً طارئاً يُنسى بمضي الأسبوع.

وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أن تربية الأطفال على فضائل يوم الجمعة عملية تربوية متكاملة تجمع بين الأصل القرآني والهدي النبوي والأسلوب التربوي الملائم للطفل، وهي تهدف إلى أن ينشأ الصغير موصولاً بربه، مستشعراً لزمنه، مقدّراً لجماعة المسلمين، متعلقاً ببيت الله؛ ويتحقق ذلك بتكاتف الأسرة والمؤسسة والمسجد، وبأساليب متنوعة تجمع القصة والقدوة والأنشودة والممارسة، مع مراعاة التدرّج والرفق، فتتحول فضائل الجمعة في وجدان الطفل من يوم عابر إلى موسم أسبوعي يُستقبل بالفرح والطهر والذكر، وتُبنى على تعظيمه هوية دينية متينة تمتد معه طوال حياته.

المراجع

القرآن الكريم. سورة الجمعة، الآيتان 9-10. https://quran.com/al-jumuah/9-10

مسلم، أ. ح. (د.ت). صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة (رقم 854ب). https://sunnah.com/muslim:854b

مسلم، أ. ح. (د.ت). صحيح مسلم: كتاب الجمعة، باب من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت (رقم 857أ). https://sunnah.com/muslim:857a

النسائي، أ. ع. (د.ت). سنن النسائي: كتاب الجمعة، باب الوقت الذي يُرجى فيه إجابة الدعاء يوم الجمعة (رقم 1389). https://sunnah.com/nasai:1389

سمارة، هتوف. (2021). دور رياض الأطفال في تنمية القيم الإسلامية والهوية الوطنية في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030. دراسات: العلوم التربوية، 48(4)، 65-78. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol48No4Y2021/des_2021-v48-n4_065-078.pdf

القضاة، محمد أمين حامد. (2022). جوانب من مبادئ التربية الأسرية كما جاءت في السنة النبوية وأثرها على المجتمع. المجلة الدولية للبحوث النفسية والتربوية، 1(3)، 357-382. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JOIjper/IjperVol1No3Y2022/ijper_2022-v1-n3_357-382.pdf

القصيري، عمر بن الخطاب عبده. (2019). الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات القلبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية. المجلة العلمية لكلية التربية–جامعة أسيوط، 35(11، ج2)، 594-624. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/EGJfeau/JfeauVol35No11P2Y2019/jfeau_2019-v35-n11-p2_594-624.pdf

السعوي، تهاني عبد العزيز. (2019). فاعلية استراتيجية المشروع في تنمية بعض القيم الأخلاقية لدى طفل الروضة. شبكة المعلومات العربية التربوية (شامع). https://search.shamaa.org/fullrecord?ID=275806

مواضيع تهمكم: