مظاهر العنف لدى أطفال الطفولة المبكرة ودور الإدارة المدرسية في علاجها
بشير بن نعمان دحان
سلوك العنف لدى أطفال الروضة ظاهرة تربوية معقدة ترتبط ببنية النمو النفسي والاجتماعي ، حيث تتقاطع فيها عوامل داخلية تتعلق بخصائص الطفل الانفعالية والمعرفية مع مؤثرات خارجية تنبع من الأسرة والبيئة التعليمية والمحيط الثقافي، ويظهر هذا السلوك في صور متعددة تشمل الضرب والدفع والعض والصراخ وإتلاف الممتلكات، كما قد يتخذ أحياناً أشكالاً رمزية كالتنمر اللفظي أو الإقصاء الاجتماعي، ويثير هذا التعدد في المظاهر تساؤلات حول جذوره العميقة وآليات التعامل معه داخل المؤسسات التربوية، خاصة أن مرحلة الروضة تمثل اللبنة الأولى في تشكيل أنماط السلوك الاجتماعي وتكوين الاتجاهات الأساسية نحو الذات والآخرين، وهو ما يجعل التعامل مع العنف في هذه المرحلة مسألة تتجاوز الضبط السلوكي إلى بناء الشخصية على أسس متوازنة.
ويرتبط ظهور العنف لدى الأطفال بجملة من العوامل النمائية التي تؤكدها الدراسات النفسية الحديثة، حيث يشير علماء النفس إلى أن الطفل في هذه المرحلة لم يكتمل لديه بعد ضبط الانفعالات ولا القدرة على التعبير اللفظي الدقيق عن احتياجاته، فيلجأ إلى السلوك العدواني كوسيلة بديلة للتواصل، كما أن ضعف مهارات حل المشكلات يؤدي إلى استخدام القوة بدلاً من الحوار، وتزداد احتمالية هذا السلوك عندما يتعرض الطفل لنماذج عدوانية في محيطه الأسري أو الإعلامي، إذ يكتسب أنماط السلوك عبر التقليد والمحاكاة، وهو ما تؤكده نظرية التعلم الاجتماعي التي ترى أن الأطفال يقلدون ما يشاهدونه من سلوكيات ذات أثر واضح، خاصة إذا ارتبطت بمكافأة أو غياب العقاب، وتؤكد دراسات أخرى أن الإحباط والشعور بعدم الأمان قد يدفعان الطفل إلى التعبير العدواني كآلية دفاعية.
وتتباين مظاهر العنف داخل بيئة الروضة تبعاً لطبيعة المواقف التربوية، فقد يظهر العنف أثناء اللعب الحر عندما يتنافس الأطفال على الأدوات، أو خلال الأنشطة الجماعية التي تتطلب مشاركة وتعاوناً، كما قد يظهر في أوقات الانتقال بين الأنشطة حين يفتقر الطفل إلى التوجيه الواضح، ويلاحظ أن بعض الأطفال يمارسون العنف بشكل متكرر مما يشير إلى نمط سلوكي مستقر، بينما يظهر لدى آخرين بشكل عرضي مرتبط بمواقف معينة، ويكشف هذا التباين عن ضرورة التمييز بين العنف العابر الناتج عن ضعف المهارات الاجتماعية، والعنف المتكرر الذي قد يرتبط باضطرابات سلوكية أو ضغوط نفسية أعمق.
ويمثل المناخ الأسري أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل السلوك العدواني، إذ تشير البحوث إلى أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات يسودها التوتر أو العقاب الجسدي أو الإهمال يكونون أكثر ميلاً للعنف، كما أن غياب الحوار داخل الأسرة يقلل من فرص تعلم التعبير السلمي عن المشاعر، وتؤكد دراسات عربية تناولت سلوك الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة أن أساليب التربية القائمة على القسوة أو التدليل المفرط تسهم في إضعاف الضبط الذاتي، مما ينعكس على سلوك الطفل داخل الروضة، ويظهر ذلك في عدم القدرة على الالتزام بالقواعد أو احترام الآخرين، وفي المقابل فإن الأسر التي تعتمد أساليب تربية إيجابية قائمة على التوجيه والحوار تسهم في تنمية مهارات التفاعل الاجتماعي السليم.
وتأتي البيئة التعليمية بوصفها المجال الأكثر تأثيراً بعد الأسرة، حيث تلعب الروضة دوراً محورياً في تعديل السلوك وتعزيز القيم الاجتماعية، ويبرز دور الإدارة التربوية هنا في وضع سياسات واضحة لإدارة السلوك، وتوفير بيئة آمنة وداعمة نفسياً، إذ تشير الأدبيات التربوية إلى أن غياب التنظيم داخل الصف أو عدم وضوح القواعد يؤدي إلى زيادة السلوك العدواني، بينما يسهم وجود نظام تربوي متكامل في الحد من هذه الظاهرة، ويشمل ذلك تدريب المعلمات على استراتيجيات التعامل مع السلوكيات الصعبة، وتوفير برامج إرشادية للأطفال، وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور.
ويعد التخطيط التربوي أحد الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها الإدارة في معالجة العنف، حيث يتم تصميم أنشطة تعليمية تهدف إلى تنمية مهارات التواصل والتعاون، مثل الألعاب الجماعية والأنشطة التشاركية، كما يتم إدماج برامج التربية الانفعالية التي تساعد الطفل على التعرف على مشاعره وإدارتها، وتؤكد الدراسات أن تعليم الأطفال مهارات مثل الانتظار والتفاوض والتعبير عن الغضب بطرق مقبولة يسهم في تقليل السلوك العدواني بشكل ملحوظ، كما أن استخدام التعزيز الإيجابي بدلاً من العقاب يعزز السلوك المرغوب ويحد من السلوك غير المقبول.
وفي سياق متصل تلعب الإدارة دوراً في بناء شراكة فعالة مع الأسرة، إذ لا يمكن معالجة العنف داخل الروضة بمعزل عن البيئة المنزلية، ويتم ذلك من خلال عقد اللقاءات الدورية مع أولياء الأمور وتقديم الإرشادات التربوية، كما يمكن إعداد نشرات توعوية تتناول أساليب التعامل مع سلوك الطفل، وتؤكد البحوث أن التنسيق بين الروضة والأسرة يسهم في تحقيق اتساق في أساليب التربية، مما يساعد الطفل على اكتساب سلوكيات إيجابية بشكل أسرع، ويحد من التناقض الذي قد يربك الطفل ويزيد من سلوكه العدواني.
كما تتجلى أهمية الدور الإداري في توفير بيئة مادية مناسبة تقلل من فرص الاحتكاك السلبي بين الأطفال، إذ تشير الدراسات إلى أن ازدحام الصفوف وقلة الأدوات التعليمية قد يؤديان إلى زيادة التنافس والصراع، ولذلك تسعى الإدارة إلى تنظيم المساحات وتوفير أدوات كافية وتوزيع الأطفال بشكل متوازن، كما يتم تصميم البيئة الصفية بطريقة تشجع على التعاون بدلاً من التنافس الحاد، ويشمل ذلك ترتيب الأركان التعليمية وتحديد مسارات الحركة داخل الصف بما يضمن تقليل الاحتكاك.
ولا يقتصر دور الإدارة على الإجراءات الوقائية بل يمتد إلى التدخل العلاجي في الحالات التي يظهر فيها العنف بشكل متكرر، حيث يتم إعداد خطط تعديل سلوك فردية تعتمد على تحليل أسباب السلوك وتحديد مثيراته ونتائجه، ويتم تنفيذ هذه الخطط بالتعاون بين المعلمة والمرشدة الطلابية، مع متابعة مستمرة لتطور الحالة، وتشير الدراسات إلى أن التدخل المبكر يسهم في منع تطور السلوك العدواني إلى أنماط أكثر حدة في المراحل اللاحقة، كما أن استخدام أساليب مثل الإرشاد باللعب والعلاج السلوكي المعرفي المبسط أثبت فعاليته في هذه المرحلة العمرية.
وتؤكد الأدبيات العلمية والخبرات العملية أن المعلمة التي تمتلك مهارات إدارة الصف والتواصل الفعال تكون أكثر قدرة على احتواء السلوك العدواني، وتشمل هذه المهارات استخدام لغة هادئة وواضحة، وتحديد القواعد بشكل مسبق، والتدخل السريع عند ظهور السلوك غير المرغوب، كما أن تجنب الصراخ أو العقاب القاسي يسهم في بناء علاقة إيجابية مع الطفل، وهو ما يعزز استجابته للتوجيه، وتحرص الإدارة على توفير برامج تدريبية مستمرة للمعلمات في هذا المجال.
وبهذا يتضح لنا أن معالجة مظاهر العنف لدى أطفال الروضة تتطلب رؤية تكاملية تجمع بين الفهم العلمي لطبيعة النمو الطفولي وتطبيق استراتيجيات تربوية فعالة، حيث لا يمكن الاكتفاء بالتعامل مع السلوك الظاهر دون البحث في أسبابه، كما أن نجاح الإدارة في هذا المجال يعتمد على قدرتها على التنسيق بين مختلف الأطراف وتوفير بيئة تعليمية داعمة، ويظل الهدف الأسمى هو مساعدة الطفل على بناء مهاراته الاجتماعية والانفعالية بطريقة تضمن له نمواً متوازناً وتفاعلاً إيجابياً مع الآخرين.

