آخر الأخبار

دور الأناشيد في غرس القيم والأخلاق لدى أطفال رياض الأطفال

تُعَدّ التربية في جوهرها عملية بناء حضاري شاملة تستهدف إعداد الإنسان ليكون قادراً على التفاعل مع مجتمعه وثقافته تفاعلاً إيجابياً يعكس منظومة من المبادئ والمثل العليا التي تواضعت عليها الجماعة البشرية عبر تاريخها الطويل, وقد أدرك المفكرون والمربّون منذ أقدم العصور أن التربية لا تقتصر على نقل المعارف والمعلومات إلى الأجيال الناشئة؛ بل تمتد لتشمل تهذيب النفوس وصقل الوجدان وتشكيل الضمير الأخلاقي الذي يوجّه سلوك الفرد في مواقف الحياة المختلفة, ولأن المجتمعات الإنسانية تتباين في ثقافاتها ومعتقداتها فإنها تتفق في حاجتها إلى منظومة أخلاقية تحفظ تماسكها وتصون كرامة أفرادها؛ وهو ما يجعل غرس القيم الأخلاقية هدفاً مشتركاً بين الفلسفات التربوية على اختلاف مشاربها, وحين ننتقل من هذا الإطار العام إلى الحقل التربوي المتخصص نجد أن مرحلة الطفولة المبكرة تحتل مكانة استثنائية في هذا السياق؛ إذ تُشير الأدبيات التربوية والنفسية إلى أن السنوات الست الأولى من عمر الإنسان تُشكّل الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته بأبعادها المعرفية والوجدانية والسلوكية كافة, وقد أكد بياجيه في نظريته حول النمو المعرفي أن الطفل في هذه المرحلة يمر بتحولات عقلية جوهرية تجعله شديد التأثر بالخبرات المحسوسة والتجارب المباشرة التي يعيشها في بيئته؛ كما أوضح كولبرج أن النمو الأخلاقي يبدأ في مراحله الأولى باستجابة الطفل للثواب والعقاب ثم يتطور تدريجياً نحو استيعاب القواعد الاجتماعية وتبنيها ذاتياً, وتأسيساً على ذلك فإن مؤسسات رياض الأطفال تتحمل مسؤولية كبرى في اختيار الأساليب والوسائل التربوية الملائمة التي تُراعي خصائص نمو الطفل في هذه المرحلة وتوظفها لغرس القيم الأخلاقية بصورة تلقائية محببة إلى نفسه؛ وهنا تبرز الأناشيد بوصفها واحدة من أقدم الأدوات التربوية وأكثرها تأثيراً في وجدان الطفل وسلوكه.

والأناشيد في حقيقتها نص أدبي موزون يجمع بين الكلمة المنتقاة واللحن والإيقاع المنتظم؛ مما يمنحها قدرة فريدة على الوصول إلى الطفل من بوابة المتعة والبهجة قبل بوابة التعليم والتلقين, وقد أشار غير واحد من الباحثين إلى أن الأنشودة تخاطب حواس الطفل المتعددة في آن واحد؛ فهو يسمع الكلمات ويستشعر الإيقاع ويتفاعل جسدياً مع اللحن عبر الحركة والتصفيق؛ وهذا التعدد الحسي يجعل الرسالة القيمية المتضمنة في الأنشودة تترسخ في ذاكرته بعمق يفوق ما تحققه الأساليب اللفظية المباشرة كالوعظ والإرشاد, ويُعزز هذا الطرح أن الأطفال الذين تعرضوا لبرنامج أناشيد منظم أظهروا تحسناً ملحوظاً في سلوكياتهم الاجتماعية مقارنة بأقرانهم الذين لم يخضعوا لهذا البرنامج؛ وهو ما يؤكد أن الأنشودة تتجاوز كونها نشاطاً ترفيهياً لتصبح وسيطاً تربوياً فاعلاً في تشكيل البنية القيمية للطفل.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بالآلية التي تعمل من خلالها الأنشودة في غرس القيم الأخلاقية؛ وللإجابة عن ذلك ينبغي استحضار عدة أبعاد نفسية وتربوية متداخلة, فمن الناحية النفسية يميل الطفل في مرحلة رياض الأطفال إلى التقليد والمحاكاة بحسب ما أوضحه باندورا في نظرية التعلم الاجتماعي؛ والأنشودة حين تقدم نموذجاً سلوكياً إيجابياً عبر شخصية محببة أو موقف درامي بسيط فإنها تُهيئ للطفل فرصة الاندماج معه واستلهام قيمه؛ فالطفل الذي يردد أنشودة تحكي عن صدق طفل مع أصدقائه يتقمص هذا الدور وجدانياً ويسعى لمحاكاته سلوكياً في مواقفه اليومية, وتتضاعف قوة هذا التأثير حين يُصاحب الأنشودة أداء تمثيلي أو حركات إيقاعية تُشرك جسد الطفل في التجربة؛ إذ يتحول الطفل من متلقٍّ سلبي إلى مشارك نشط يعيش القيمة بكل حواسه؛ فضلا عن  أن الأناشيد المصحوبة بالحركة والتمثيل حققت أثراً أعمق في إكساب أطفال الروضة قيم التعاون والنظام واحترام الآخرين مقارنة بالأناشيد التي اقتصرت على الترديد اللفظي.

ومن زاوية أخرى يؤدي التكرار المتضمن في بنية الأنشودة دوراً بالغ الأهمية في ترسيخ القيمة؛ فالأنشودة بطبيعتها تعتمد على إعادة المقاطع  وتكرارها؛ وهذا التكرار لا يُمارس على الطفل ضغطاً أو إكراهاً بل يأتي في سياق اللعب والمتعة؛ فيحفظ الطفل العبارات القيمية ويرددها طوعاً في أوقات مختلفة حتى تصبح جزءاً من خطابه اليومي ومن ثم جزءاً من بنيته الفكرية والوجدانية, ذلك  أن اللغة تلعب دوراً محورياً في تنظيم تفكير الطفل وتوجيه سلوكه؛ والأناشيد تمد الطفل بمفردات وتعبيرات أخلاقية تُثري قاموسه اللغوي وتمنحه أدوات رمزية للتفكير في المواقف الأخلاقية والحكم عليها؛ فالطفل الذي يعرف كلمات مثل الأمانة والإيثار والرفق يستطيع تسمية هذه القيم والتعرف عليها في سلوكه وسلوك الآخرين؛ وهذا الوعي اللغوي يُعد خطوة ضرورية نحو الوعي الأخلاقي الناضج.

وفي إطار التطبيق الميداني نجد أن  معلمات رياض الأطفال في المملكة العربية السعودية غالبا يُدركن القيمة التربوية للأناشيد في غرس القيم الأخلاقية؛ غير أن توظيفهن لها يبقى في كثير من الأحيان عشوائياً وغير مرتبط بأهداف قيمية محددة, وهذه النتيجة تُلقي الضوء على فجوة حقيقية بين الإدراك النظري والممارسة الفعلية؛ إذ لا يكفي أن تُردد الأناشيد في قاعات الروضة بصورة عشوائية بل ينبغي أن تُنتقى بعناية وأن تُوظف ضمن خطة تربوية مدروسة تربط كل أنشودة بقيمة محددة وتُتبعها بأنشطة تعزيزية كالحوار والقصة والتمثيل الدرامي؛ بحيث يعيش الطفل القيمة في سياقات متنوعة تُعمّق فهمه لها وتُيسّر انتقالها إلى سلوكه الفعلي, وقد اقترح الناشف في كتابه عن مناهج رياض الأطفال أن تُصنّف الأناشيد وفق المحاور القيمية التي تخدمها؛ كأن تكون هناك أناشيد لقيم العلاقة مع الله وأخرى لقيم العلاقة مع الذات وثالثة لقيم العلاقة مع الآخرين ورابعة لقيم العلاقة مع البيئة؛ وهذا التصنيف يُعين المعلمة على اختيار الأنشودة المناسبة للموقف التعليمي المناسب.

وثمة بعد آخر لا يقل أهمية يتصل بمضمون الأنشودة وشكلها الفني؛ فالأنشودة التي تُقدّم القيمة بأسلوب وعظي مباشر قد تُثير ملل الطفل ونفوره؛ في حين أن الأنشودة التي تُغلّف القيمة بإطار قصصي شائق أو حواري مرح أو تصويري خيالي تجذب انتباه الطفل وتُشركه عاطفياً في المضمون فيتشربه دون أن يشعر بأنه يتلقى درساً أخلاقياً, بالإضافة إلى  أن أجود الأناشيد هي تلك التي تحترم ذكاء الطفل وتُقدّم له القيمة في قالب جمالي يُنمّي ذوقه الأدبي في الوقت ذاته الذي يُهذّب فيه سلوكه؛ فالجمال والأخلاق يلتقيان في الأنشودة الجيدة ليُشكّلا تجربة متكاملة تُغني شخصية الطفل من جوانبها المتعددة.

 

ولا بد من الإشارة إلى أن فاعلية الأنشودة في غرس القيم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناخ التربوي الذي تُقدّم فيه؛ فالمعلمة التي تردد الأنشودة بحماس وتتفاعل مع كلماتها وتعيش مضمونها أمام الأطفال تمنح الأنشودة مصداقية وحيوية تُضاعف تأثيرها؛ بينما المعلمة التي تُلقيها بصورة آلية روتينية تُفرغها من شحنتها الوجدانية وتحولها إلى نشاط شكلي لا أثر له في نفوس الأطفال, كذلك فإن التعاون بين الروضة والأسرة يُعزز أثر الأنشودة؛ فحين يسمع الطفل الأنشودة ذاتها في البيت ويلاحظ أن والديه يُقدّران مضمونها ويُطبّقان قيمها فإنه يتلقى رسالة متسقة من بيئتيه الأساسيتين؛ وهذا الاتساق يُسرّع عملية تبني القيمة واستقرارها في بنيته النفسية كما أوضح برونفنبرنر في نظريته البيئية حول نمو الطفل.

              ومما يستحق التأمل أيضاً أن الأناشيد تُسهم في بناء الهوية الثقافية والدينية للطفل؛ فالأنشودة التي تتغنى بحب الوطن أو تحتفي بالمناسبات الدينية أو تروي سيرة الأبطال والقدوات تُرسّخ في وجدان الطفل شعوراً بالانتماء والفخر يُشكّل إطاراً مرجعياً لقيمه ومعتقداته, لأن أطفال الروضة الذين شاركوا في برنامج أناشيد مستمد من التراث العربي والإسلامي أبدوا وعياً أكبر بقيم التسامح واحترام الكبير والرحمة بالضعيف مقارنة بأقرانهم؛ مما يدل على أن المضمون الثقافي للأنشودة يُضيف بُعداً هوياتياً إلى وظيفتها الأخلاقية.

وعلى الصعيد الانفعالي تُوفّر الأناشيد للطفل مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره واستكشافها؛ فحين يغني عن الفرح أو الحزن أو الخوف أو الغضب يتعلم تسمية انفعالاته والتعامل معها بصورة صحية؛ وهذا الذكاء الانفعالي يُعد ركيزة أساسية للسلوك الأخلاقي؛ لأن الطفل الذي يفهم مشاعره ومشاعر الآخرين يكون أقدر على التعاطف والإحساس بالمسؤولية تجاههم.

ومما يحسن أن نلخص فيه ما سبق أن الأناشيد في رياض الأطفال ليست ترفاً تربوياً أو نشاطاً هامشياً يُملأ به الوقت؛ بل هي وسيلة ثرية متعددة الأبعاد تلتقي فيها اللغة بالموسيقى بالحركة بالخيال لتصنع تجربة تربوية متكاملة تُخاطب عقل الطفل ووجدانه وجسده معاً, وحين تُوظَّف هذه الوسيلة توظيفاً مدروساً قائماً على اختيار المضمون القيمي الملائم وتقديمه في قالب فني جذاب ودمجه في سياق تعليمي متكامل ومتابعة أثره في سلوك الأطفال الفعلي؛ فإنها تُصبح أداة حقيقية لغرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال خلال مرحلة هي الأكثر حساسية وقابلية للتشكيل في حياة الإنسان؛ وبذلك تُسهم الأنشودة في إعداد جيل يحمل في وجدانه بذور الخير والجمال التي تنمو معه وتُثمر في مراحل عمره اللاحقة سلوكاً أخلاقياً راسخاً ومتيناً.

 

بشير بن نعمان دحان
11-2-1448

مواضيع تهمكم: