آخر الأخبار

غرس حب القرآن الكريم في نفوس الأطفال

بشير بن نعمان دحان

القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزّل هدىً ورحمة، وحبلٌ ممدود بين العبد وربه؛ ولما كان صلاح القلوب مستنداً إلى تعلّقها بهذا الكتاب، كانت تربية الأطفال على محبّته غرساً لأصلٍ تتفرّع عنه سائر الفضائل؛ وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تعلّم القرآن وتعليمه عنوانَ الخيرية في أمّته بقوله: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه»، فدلّ بأنّ أفضل الناس من جمع بين تلقّي الكتاب وبذله للناشئة؛ ومن هنا تنشأ الحاجة إلى أن نُحبّب القرآن إلى الصغير قبل أن نُكلّفه حفظه، فتنعقد في قلبه أواصر المودّة للكتاب قبل أن تثقل كاهله بأحكامه.

ويستند هذا الترغيب إلى أصلٍ قرآني صريح؛ فقد أمر الله نبيّه بتلاوة ما أُوحي إليه من الكتاب وإقام الصلاة في قوله تعالى: «اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقِم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر»، فربطت الآية بين التلاوة والصلاة والنهي عن القبيح، وأشارت إلى أنّ ذكر الله أعظم شأناً؛ ويتفرّع عن هذا المعنى أنّ الطفل حين يُربّى على تلاوة القرآن يُدخِل في يومه نصيباً من الذكر يهذّب نفسه ويزكّيها، فيُغرس في وجدانه أنّ القرآن ليس مجرد كلماتٍ تُحفظ، بل ميزانٌ يزن به سلوكه، ونورٌ يستضيء به في طريقه.

ولا يخفى أنّ الطفولة المبكرة مرحلةٌ ذهبية لغرس الإيمان، إذ ينطببع قلب الصغير بما يُلقى فيه قبل أن تتشكّل حجب العادات؛ وقد استثمر السلف الصالح هذه المرحلة في تعريف أطفالهم بالرحمن وتحفيظهم القرآن معنىً ومبنى، فأثمر ذلك ثمراتٍ مباركة في عقولهم وسلوكهم؛ وتؤكد الدراسات المعاصرة هذا الأثر، إذ بيّنت إحداها وجود علاقة إيجابية قوية بين نشاط حفظ القرآن الكريم والضبط الذاتي لدى أطفال ما قبل المدرسة، وأنّ الملتحقين بهذا النشاط فاقوا أقرانهم في الانتباه وضبط النفس؛ ومن ثَمّ يتضح أنّ غرس حب القرآن يُثمر تحكّماً ذاتياً وتهذيباً للسلوك لا يتأتّيان بمجرد الموعظة.

ولئن كان الحفظ هدفاً، فإنّ المحبّة هي الطريق إليه؛ وقد وفّرت السنّة النبوية من المعاني ما يُحرّك الوجدان ويربط القلب بالكتاب رباطَ مودّة لا خوف؛ ففي الحديث أنّ الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرة الكرام البررة، وأنّ الذي يتعهّده وهو عليه شديد فله أجران، وفي الحديث الآخر أنّ أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته، وورد أنّ مَثَل من تعلّم القرآن وقام به كمثل جرابٍ محشوٍّ مسكاً تفوح رائحته كل مكان؛ فمثل هذه التصاوير الحسّية تقرّب المعنى إلى ذهن الطفل، وتُورثه شوقاً إلى أن يكون من أهل القرآن، وتجعل من الحفظ طلباً لرضا الله وقربِه لا تكليفاً ثقيلاً.

وتشكل الأسرة المحضن الأول لهذه المحبّة؛ فالطفل تتشكّل مودّته للقرآن بقدر ما يرى من مودّته في بيته؛ وقد أكدت دراسة تحليلية أنّ من واجب الآباء أن يتولّوا ربط أبنائهم بالقرآن من خلال قراءته والتدبّر في آياته، وأن يربطوا قلوبهم بالله عبر كلامه؛ ومن هنا يستقبل البيتُ القرآن استقبالاً عمليّاً، فيسمع الطفل في داره تلاوةً خاشعة، ويرى والديه يتأملان ويتضرّعان، فيتشبّه بهما قبل أن يُلقَّن؛ ولا يخفى أنّ القدوة الحيّة أوقع في النفس من ألف موعظة، وأنّ البيت الذي يخلو من القرآن يصعب أن يُنشئ طفلاً محبّاً له.

ولا تقتصر الوسائل على القدوة، إذ تتعدد لتشمل تهيئة البيئة القرآنية المناسبة؛ فيُختار للطفل قارئٌ حسن الصوت يتلقّى عنه، وتُذاع في البيت تلاواتٌ خاشعة بترتيلٍ يطمئن القلب، وتُستغل أوقات اليقظة والنوم بتلاوة قصار السور والأذكار؛ كما تُوظَّف القصة القرآنية مبسّطةً فيُقصّ على الطفل قصص الأنبياء بألفاظ قريبة من مداركه، فينشأ على أنّ القرآن كتاب حياةٍ وقصصٍ وعِبر لا نصٌّ جامدٌ بلا روح؛ ومثل هذه المعالجة الوجدانية تُحدِث في الصغير أنساً بالكتاب، وتجعل صورته في خياله مصحوبةً بالسكينة والطمأنينة.

ويتطلّب تعليم القرآن حِسّاً تربويّاً يراعي سنّ الطفل وقدراته؛ فيُبدأ باليسير من قصار السور، ويُستعان بالتلقين والتكرار والاستماع، ويُكرّر المعلّم النموذج القرآني حتى ترسخه أذن الطفل قبل لسانه؛ وقد بيّنت دراسة فاعلية توظيف أنماط التعلم المتنوعة في تدريس القرآن على تصحيح التلاوة وضبطها، بما يدلّ على أنّ تنوّع الوسائط والأساليب يقرّب المعلومة ويزيد إتقانها؛ ويتحقق ذلك بمراعاة التجويد رفقاً دون تعقيد، وتقدير الجرعة بما يطيق الصغير، فلا يُملَّ فينفر، ولا يُترك فينسى، ويتدرّج به من الحفظ إلى الفهم إلى التطبيق.

وإلى جانب الأسرة، تضطلع المؤسسات التربوية كرياض الأطفال وحلقات تحفيظ القرآن بدورٍ معزّز؛ فروض الأطفال قادرة على أن تدمج القيم القرآنية ضمن مناهجها وأنشطتها، فتُكسب الطفل احترام الكتاب ومودّته منذ سنٍّ مبكرة؛ وتؤدي حلقات التحفيظ والمدرسة القرآنية وظيفة اجتماعية وتربوية، إذ تجمع الصغار على ذكر الله، وتُشيع بينهم روح التنافس الشريف في الخير، وتُعوّدهم الانضباط والمداومة؛ وتبقى جودة المعلم وسلامة منهجه عاملَيْن حاسمَيْن في ترسيخ المحبّة، حين يقدّم القرآن بحُنوّ وإخلاص فيرتبط الطفل بالكتاب وبمن علّمه إيّاه.

غير أنّ هذه التربية تستوجب ضوابط تكفل سلامتها؛ فلا يُدفع الطفل إلى الحفظ دفعاً ينفره، ولا يُحوَّل القرآن في نفسه إلى عبءٍ أو إلى وسيلة مفاخرةٍ ومسابقةٍ على الجوائز فحسب؛ فالتربية الإسلامية تُراعي التدرّج والرفق وتناسب الجرعة مع الاستعداد، وتوازن بين الترغيب والترهيب مع إيثار الترغيب في هذه السنّ؛ ومن الخطأ أن يُقترن القرآن في ذهن الصغير بالصراخ والضرب، فينمو في قلبه نفورٌ بدل مودّة؛ وتبقى المداومة الهادئة على قدرٍ يسير يوميّاً أعمق أثراً من الحماسة المتقطعة، فتتحوّل العلاقة بالقرآن إلى عادةٍ مأنوسةٍ لا حدثٍ طارئ.

وفي ضوء ما تقدّم، يتضح أنّ غرس حب القرآن الكريم في نفوس الأطفال عمليةٌ تربوية متكاملة تجمع بين الأصل القرآني والهدي النبوي والأسلوب الملائم لمرحلة الطفولة، وتستهدف أن ينشأ الصغير موصولاً بكلام ربه، متأدّباً بآدابه، مستضيئاً بنوره؛ ويتحقق ذلك بتكاتف الأسرة والروضة وحلقة التحفيظ، وبأساليب متنوعة تجمع القدوة والقصة والتلقين والترتيل، مع مراعاة الرفق والتدرّج وتناسب الجرعة؛ وبذلك ينشأ الطفل على أنّ للقرآن في حياته مكاناً ومحبّةً، فيكبر وهو يأنس بكتاب ربه آنساً به لا غريباً عنه، وتبقى علاقته به ممتدةً معه ما دامت حياته.

المراجع

القرآن الكريم. سورة العنكبوت، الآية 45. https://quran.com/al-ankabut/45

البخاري، أ. ع. (د.ت). صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه (رقم 5027). https://sunnah.com/bukhari:5027

البخاري، أ. ع. (د.ت). صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له (رقم 4937). https://sunnah.com/bukhari:4937

ابن ماجه، أ. ع. (د.ت). سنن ابن ماجه: كتاب المقدمة، باب فضل من تعلّم القرآن وعلّمه (رقم 215). https://sunnah.com/ibnmajah:215

الطبريزي، أ. ع. (د.ت). مشكاة المصابيح: كتاب فضائل القرآن (رقم 2143). https://sunnah.com/mishkat:2143

الفتني، زينب عبد الغفار. (2023). حفظ القرآن الكريم وعلاقته بالضبط الذاتي لدى أطفال ما قبل المدرسة. مجلة الطفولة العربية، 24(94)، 33-55. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/KUJac/JacVol24No94Y2023/jac_2023-v24-n94_033-055.pdf

القصيري، عمر بن الخطاب عبده. (2019). الدور التربوي للأسرة في تنشئة أبنائها على العبادات القلبية في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية: دراسة تحليلية. المجلة العلمية لكلية التربية–جامعة أسيوط، 35(11، ج2)، 594-624. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/EGJfeau/JfeauVol35No11P2Y2019/jfeau_2019-v35-n11-p2_594-624.pdf

سمارة، هتوف. (2021). دور رياض الأطفال في تنمية القيم الإسلامية والهوية الوطنية في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030. دراسات: العلوم التربوية، 48(4)، 65-78. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JODes/DesVol48No4Y2021/des_2021-v48-n4_065-078.pdf

الشهري، عبدالعزيز بن غرمان، وآل مسعد، أحمد بن زيد. (2017). أثر تدريس القرآن الكريم باستخدام نمط التعلم المدمج على تصحيح التلاوة لطلاب حلقات الأكاديمية القرآنية العالمية. المجلة الدولية للدراسات التربوية والنفسية، 2(1)، 109-138. https://search.shamaa.org/PDF/Articles/JOIjeps/IjepsVol2No1Y2017/ijeps_2017-v2-n1_109-138.pdf

 

مواضيع تهمكم: