اللعب.. مهارات ونمو

حين نراقب طفلاً صغيراً يبني برجاً من المكعبات ثم يهدمه بضحكة عالية، قد نظن أننا أمام مجرد تسلية عابرة غير أن خلف هذا المشهد البسيط تكمن عملية معقدة يتشكّل فيها العقل، وتُصقل فيها المهارات، وتُبنى فيها أسس الشخصية التي سيحملها هذا الطفل طوال حياته وفي المملكة العربية السعودية، حيث تشهد الأسرة تحولات متسارعة في نمط الحياة اليومي، بات هذا الموضوع محل اهتمام متزايد لدى الآباء والمؤسسات التربوية على حد سواء.
فمنذ سنواته الأولى، يمنح اللعب الطفل وسيلة للتعبير عن مشاعره قبل أن يمتلك المفردات الكافية لوصفها بالكلام؛ إذ حين يُمثّل دور الطبيب أو يحاكي مشهداً عائلياً بدماه، إنما يُعيد تركيب تجاربه، ويعالج مخاوفه، ويختبر مواقف الحياة من موقع آمن لا تُحاسبه فيه القواعد الصارمة للعالم الحقيقي وانطلاقاً من هذا الإدراك، أولت رؤية المملكة 2030 اهتماماً واضحاً بجودة الحياة الأسرية وتنمية الطفل، الأمر الذي انعكس في افتتاح حدائق ومساحات عامة مخصصة للأطفال في مختلف المدن، من الرياض إلى جدة والدمام، بوصفها بيئات حاضنة لهذا النوع من الاستكشاف الحر.
كذلك، حين يفرز الطفل الأشكال بحسب اللون أو يحاول تركيب أحجية، فهو يمارس بلا وعي مهارات التصنيف والاستنتاج المنطقي؛ وبالمثل، حين يبتكر قصة خيالية لدميته المفضلة، يُنمّي قدرته على التخيّل وحل المشكلات بطرق غير تقليدية وتبعاً لهذا التوجه، بدأت رياض الأطفال ورياض الحضانة في المدن السعودية الكبرى تعتمد مناهج تقوم على التعلّم باللعب، متأثرة بتوجهات وزارة التعليم نحو تطوير مرحلة الطفولة المبكرة، بعد أن كان التركيز في السابق منصبّاً بشكل أكبر على الحفظ والتلقين.
أما على الصعيد الاجتماعي، فحين يشارك الطفل أقرانه لعبة جماعية في الحي أو في المدرسة، يتعلّم مهارات لا تُدرَّس في كتاب، كالتفاوض حول الأدوار، وتقبّل الخسارة، والانتظار حتى يحين دوره ومن ثمّ، تُهيّئه هذه المواقف الصغيرة تدريجياً للاندماج في محيط اجتماعي متماسك تُقدَّر فيه قيم التكافل والألفة بين الأسر والجيران، وهي قيم راسخة في النسيج الاجتماعي السعودي منذ القدم، وإن اتخذت اليوم أشكالاً جديدة مع انتشار المجمعات السكنية والمرافق الترفيهية الحديثة.
على أن هذا لا يعني أن الطفل يحتاج ألعاباً باهظة الثمن أو برامج تعليمية معقّدة، بل إن أبسط الأدوات، كصندوق كرتون أو مجموعة أزرار ملوّنة، قد تُطلق خياله أكثر من أي جهاز إلكتروني متطور ومع ذلك، فقد باتت كثير من الأسر السعودية تُقبل على الألعاب الرقمية والتطبيقات التعليمية نتيجة انتشار الأجهزة الذكية في المنازل. لذا، فإن ما يحتاجه الطفل فعلاً هو وقت غير مشروط يقضيه معه أحد والديه، دون هاتف يقاطعهما، ودون توجيه دائم يُقيّد اكتشافه؛ ذلك أن حضور الكبار كشريك في اللعب، لا كمشرف عليه، يمنح الطفل شعوراً بالأمان يدفعه للاستكشاف بجرأة أكبر.
وقد تبدو ساعات اللعب في نظر البعض وقتاً مهدوراً يمكن استثماره في أنشطة “أكثر جدية”، خصوصاً في ظل التنافس الأسري على إلحاق الأطفال ببرامج تعليمية مبكرة. بيد أن الحقيقة أن هذه الساعات هي المختبر الحقيقي الذي يُصقل فيه عقل الطفل وقلبه معاً، لذا فإن الاستثمار الأمثل في السنوات الأولى، وفق ما تسعى إليه الجهود التنموية في المملكة، لا يكمن في حشو الطفل بالمعلومات، وإنما في منحه مساحة يلعب فيها بحرّية.

  • Related Posts

    • 15 views
    الاستقلالية لدى الأطفال

    تعد الاستقلالية من الجوانب الأساسية في بناء شخصية الطفل خلال مرحلة الروضة، إذ يبدأ الطفل في…

    Read more

    • 212 views
    مهارات الوعي الكلامي للطفولة المبكرة- أ. مها عمر عامر السفياني*

    يمثل الوعي الصوتي في مرحلة الطفولة المبكرة قدرة الطفل على إدراك البنية الصوتية للغة المنطوقة والتعامل…

    Read more

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    اللعب.. مهارات ونمو

    • من admin
    • أغسطس 22, 2026
    • 17 views
    اللعب.. مهارات ونمو

    الاستقلالية لدى الأطفال

    • من admin
    • أغسطس 19, 2026
    • 15 views

    مهارات الوعي الكلامي للطفولة المبكرة- أ. مها عمر عامر السفياني*

    • من admin
    • أغسطس 5, 2026
    • 212 views
    مهارات الوعي الكلامي للطفولة المبكرة- أ. مها عمر عامر السفياني*

    كيف تحمي طفلك من إدمان الشاشات في العصر الرقمي

    • من admin
    • يوليو 30, 2026
    • 58 views
    كيف تحمي طفلك من إدمان الشاشات في العصر الرقمي

    الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الأطفال الفوائد والمخاطر

    • من admin
    • يوليو 30, 2026
    • 9 views

    دور الأناشيد في غرس القيم والأخلاق لدى أطفال رياض الأطفال

    • من admin
    • يوليو 25, 2026
    • 19 views