آخر الأخبار

المتغيرات الاجتماعية المسئولة عن إساءة معاملة الأطفال دراسة ميدانية لعينة من الأطفال المُساء التعامل معهم جنسيا

المتغيرات الاجتماعية المسئولة عن إساءة معاملة الأطفال دراسة ميدانية لعينة من الأطفال المُساء التعامل معهم جنسيا

سحر عبد الغني عبد الله جامعة عين شمس الآداب علم الاجتماع الدكتوراه 2009

ملخص الدراسة:

تشكل طفولة الإنسان إحدى المحطات الرئيسية في مسيرته للحياة تاركة عبر أحداثها وتجاربها وخبراتها أعمق البصمات وأبعدها في بنيان الشخصية، حيث تعتبر من أهم المراحل في تكوين شخصية الفرد وتوجيه سلوكه وتكوين عاداته وقيمه واتجاهاته ومعاييره. كما تتحدد فيها الكثير من قدراته الذهنية والبدنية والنفسية والاجتماعية عند الكبر. وإما أن تخلق شخصية متكيفة مع المحيط متآلفة مع عناصره، وإما أن تغرس فيه بذور التنافر والتوتر والاختلال التي تتفاعل فيما بينها مفضية إلى خلق شخصية مضطربة معقدة تتنازعها تيارات الانحراف والاعتلال. كما أن الأطفال في أي مجتمع يعدون بحق زهرة الحاضر وثمرة المستقبل فضلا عن أنهم يمثلون شريحة لا يستهان بها في التركيب السكاني للمجتمع، وعلى ذلك أصبح الاهتمام بالطفولة ورعايتها من أهم المعايير التي يقاس بها تقدم المجتمعات ورقيها. وإذا كان أطفال اليوم هو شباب الغد، فلا يمكن أن يتوافر لأي مجتمع شباب متميز قادر على العطاء والعمل وتحمل المسئولية، إلا إذا اهتم هذا المجتمع اهتماماً كبيراً بإعداد أطفاله إعداداً يتمشى مع الدور الذي ينتظرهم .

وفي ضوء ذلك ينبغي إعطاء تلك المرحلة أقصى درجات العناية والحماية، وإحاطة الأطفال خلالها بمناخ إيجابي صحي يضمن لهم النمو السليم المتكامل بمختلف أبعاده الجسمية والنفسية والعقلية والاجتماعية. بيد أن هناك مشكلات عديدة قد تعكر صفو تلك الأجواء المنشودة مقوضة دعائم استقرارها. وأبرز هذه المشكلات الإساءة إلى الأطفال واستغلالهم بصورة تعيق نماءهم الطبيعي المتوازن، وخاصة الأطفال التي تعاني من الحرمان والاستغلال، وتعيش في ظروف صعبة. إذ أن الطفولة قيمة مقدسة لا يجوز المساس بها، بل ينبغي أحاطتها بمنتهى صور الرعاية والحماية، وتوفير الإمكانيات المثلى لنمو الأطفال وارتقائهم بطريقة إيجابية متوازنة.

وقد أدت التغيرات التي حدثت في العقدين الماضين، وصعود مفاهيم التنمية البشرية وحقوق الإنسان، وحق جميع المواطنين في المشاركة في الحقوق والواجبات المرتبطة بتنمية المجتمع على أساس حقوق المواطنة، إلى تصاعد الاهتمام بالطفل مع اعتبار حقوقه في النمو السليم جسدياً وفكرياً ووجدانياً جزءاً من حقوق الإنسان. حيث بدأ الاهتمام العالمي بقضايا الطفولة منذ أوائل القرن العشرين، ففي عام 1934 تبنى الاتحاد العالمي لشئون الطفل إعلان حقوق الطفل، وفي عام 1959 كونت جمعية الطفل الدولية وأطلق على هذا العام. العام الدولي للطفل، وفي عام 1979 أعلنت الأمم المتحدة حقوق الطفل، وفي عام 1989 تم اعتماد اتفاقية حقوق الطفل من هيئة الأمم المتحدة، وتنص المادة 19 من الاتفاقية على أن تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتعليمية الملائمة لحماية الطفل من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية أو الإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال وإساءة المعاملة أو الاستغلال بما في ذلك الاستغلال الجنسي .

وقد صدقت على هذه الاتفاقية حتى الآن معظم دول العالم، ومن بينها مصر فصارت جزءاً من التشريع الوطني. ومنذ عام 1989 إلى 1999 أعلن عقداً لحماية الطفل المصري ورعايته وهو ما يعتبر اتجاهاً وطنياً رائداً نحو تحقيق هدف قومي عام على صعيد الطفولة يقوم على وعي، وإدراك كاملين بأن الطفولة هي المستقبل الذي نسعى إليه، وأن أطفال اليوم هم شباب الغد، وهم بعد ذلك المسؤولون عن سير عمليات الإنتاج والإدارة، وأن الرعاية الشاملة والمتكاملة هي عملية ضرورية وأساسية لبناء مستقبل مزدهر آمن، ثم صدر عقداً ثانيا لحماية الطفل المصري 2000-2010 تتجمع فيه جهود جميع الأفراد والهيئات الرسمية والأهلية والجمعيات الخاصة والخيرية لمتابعة ودعم مواجهة الحقائق التي تعرضها الألفية الثالثة والتي تعود إلى تحديد أهداف العقد الثاني للطفولة.

وبالرغم من الجهود المحلية والعربية والدولية في مجال رعاية الطفولة، إلا أن هناك فئة من الأطفال تعاني من الحرمان والاستغلال والإساءة وتعيش في ظروف صعبة. وتنص المادة 203 من اللائحة التنفيذية من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، يعد الطفل معرضاً للخطر، إذا وجد في حالة تهدد سلامة التنشئة الواجب توافرها له، وخاصة في أي من الحالات الآتية :

–    إذا تعرض أمنه أو أخلاقه أو صحته أو حياته للخطر.

–    إذا كانت ظروف تربيته داخل البيئة المحيطة به من شأنها أن تعرضه للخطر.

–    إذا تخلى عنه الملتزم بالإنفاق عليه.

–    إذا تعرض مستقبل الطفل التعليمي لخطر عدم استكماله.

–    إذا تعرض للتحريض على الاستعمال غير المشروع للمخدرات أو الكحوليات أو العنف أو الأعمال المنافية للآداب.

فلذلك قد قررت هيئة اليونيسيف اعتبار عمل الأطفال استغلالا إذا اتخذ الأشكال التالية:

–    أيام عمل طويلة كاملة للطفل في سن مبكرة جدا.

–    ساعات عمل طويلة.

–    أجر غير كاف.

–    أعمال مجهدة من شأنها التسبب في توترات جسدية أو اجتماعية أو نفسية لا مبرر لها.

–    العمل والمعيشة في الشوارع في ظروف قاسية.

–    مسئوليات زائدة عن الحد الطبيعي.

–    عمل يحول دون الحصول على التعليم.

–    أعمال يمكن أن تحط من كرامة الأطفال واحترامهم لأنفسهم كالاستعباد والاسترقاق والاستغلال الجنسي.

–    الأعمال التي يمكن أن تحول دون تطورهم الاجتماعي والنفسي الكامل.

وتعرض الأطفال للإساءة والاستغلال قد يحمل اتهاماً مباشراً للأسرة والمجتمع معا خاصة في إطار الفقر. حيث أن ازدياد الأزمة الاقتصادية في مصر وارتفاع معدلات السكان الذين يقعون تحت خط الفقر والتي وصلت في بعض الدراسات إلى 35%، مع تراجع دور الدولة في مجال الخدمات وغيرها قد أدى إلى تفاقم المشكلات التي من شأنها زيادة حجم فئات الأطفال في ظروف صعبة وبالتالي تعرضهم للعديد من أنماط الاستغلال المختلفة (). إلا أن أشكال الإساءة للطفل تتباين ما بين إيقاع الأذى النفسي والبدني على الطفل أو التهديد بإيذائه أو عدم القدرة على فهم حاجاته وصولا إلى الإساءة الجنسية به، فالجو النفسي والاجتماعي الذي ينشأ فيه الطفل والبيئة التي غالبا ما تنطوي على أشكال من الرفض والإهمال، قد تعوق التنشئة السليمة التي تتيح للطفل نمواً بدنياً ونفسياً واجتماعياً سليما. وتنتشر ظاهرة الإساءة والإهمال والرفض أو الخشونة على الطفل في مختلف أنحاء العالم. ويؤكد كوربن Korbin أن هناك تزايد واضح في دول العالم الثالث فيما يتعلق بمشكلة الإساءة والإهمال للأطفال(). وعلى الرغم من أن سوء معاملة الطفل جسديا وانفعاليا وجنسيا يتضمن ملامح مشتركة. فإن سوء المعاملة الجنسية تنطوي على خطورة أكبر على الطفل، حيث يمثل الأطفال ذوو الإساءة الجنسية حالات أكثر صعوبة وتحديا في التعامل معهم، فيتعلموا عدم الثقة في الآخرين، وقد يتجهون إلى الجنوح والانحراف وارتكاب الجرائم، وعدم الاهتمام بالمستقبل.

You May Have Missed